فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والسامري عند الأكثر كما قال الزجاج: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين، وقيل: هو ابن خالة موسى عليه السلام، وقيل: ابن عمه، وقيل: كان علجًا من كرمان، وقيل: كان من أهل باجرما قرية قريبة من مصر أو قرية من قرى موصل، وقيل: كان من القبط وخرج مع موسى عليه السلام مظهرًا الإيمان وكان جاره.
وقيل: كان من عباد البقر وقع في مصر فدخل في بني إسرائيل بظاهره وفي قلبه عبادة البقر.
واسمه قيل موسى بن ظفر، وقيل: منجا، والأول أشهر، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه باصابعه في واحدة لبنا وفي الأخرى عسلا، وفي الأخرى سمنًا ولم يزل يغذوه حتى نشأ وعلى ذلك قوله من قال:
إذا المرء لم يخلق سعيدًا تحيرت ** عقول مربيه وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر ** وموسى الذي رباه فرعون مرسل

وبالجملة كان عند الجمهور منافقًا يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقرأ معاذ {أضلهم} على أنه أفعل تفضيل أي أشدهم ضلالًا لأنه ضال ومضل.
{فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ}.
عند رجوعه المعهود أي بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأخذ التوراة لا عقيب الأخبار المذكور فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله تعالى: {الحديث أَسَفًا} لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلة عليه حقيقة فإن كون الجروع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الأخبار المذكور كما إذا قلت: شايعت الحجاج ودعوت لهم بالسلامة فرجعوا سالمين فإن أحدًا لا يرتاب في أن المراد رجوعهم المعتاد لا رجوعهم أثر الدعاء وإن سببية الدعاء باعتبار وصف السلامة لا باعتبار نفسه الرجوع كذا في إرشاد العقل السليم وهو مما لا ينتطح فيه كبشان.
والأسف الحزين كما روي عن ابن عباس وكأن حزنه عليه السلام من حيث أن ما وقع فيه قومه مما يترتب عليه العقوبة ولا يد له بدفعها.
وقال غير واحد: هو شديد الغضب، وقال الجبائي متلهفًا على ما فاته متحيرًا في أمر قومه يخشى أن لا يمكنه تداركه وهذا معنى للأسف غير مشهور {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعل بهم لما رجع إليهم؟ فقيل قال: {قَالَ يا قوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ} الهمزة لإنكار عدم الوعد ونفيه وتقرير وجوده على أبلغ وجه وآكده أي وعدكم {وَعْدًا حَسَنًا} لا سبيل لكم إلى إنكاره.
والمراد بذلك إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور، وقيل: هو ما وعدهم سبحانه من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى أهل طاعته.
وعن الحسن أن الوعد الحسن الجنة التي وعدها من تمسك بدينه، وقيل: هو أن يسمعهم جل وعلا كلامه عز شأنه ولعل الأول أولى، ونصب {وَعْدًا} يحتمل أن يكون على أنه مفعول ثان وهو بمعنى الموعود ويحتمل أن يكون على المصدرية والمفعول الثاني محذوف، والفاء في قوله تعالى: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ لَكُم مّنَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشيطان يَعِدُكُمُ} لأنه بمعنى قد وعدكم، واختار جمع الأول وأل في العهد له، والمراد زمان الإنجاز، وقيل: زمان المفارقة أي أوعدكم سبحانه ذلك فطال زمان الإنجاز أو زمان المفارقة للإتيان به {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ} أي يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ} شديد لا يقادر قدره كائن {مّن رَّبّكُمْ} أي من مالك أمركم على الإطلاق والمراد من إرادة ذلك فعل ما يكون مقتضيًا له.
والفاء في قوله تعالى: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى} لترتيب ما بعدها على كل من الشقين، والموعد مصدر مضاف إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبيح حالهم فإن اخلافهم الموعد الجاري فيما بينهم وبينه عليه السلام من حيث إضافته إليه عليه السلام أشنع منه من حيث إضافته إليهم، والمعنى أفطال عليكم الزمان فنسيتم بسبب ذلك فاخلفتم وعدكم إياي بالثبات على ديني إلى أن أرجع من الميقات نسيانًا أو تعمدتم فعل ما يكون سببًا لحلول غضب ربكم عليكم فاخلفتم وعدكم إياي بذلك عمدًا، وحاصله أنسيتم فاخلفتم أو تعمدتم فاخلفتهم، ومنه يعلم التقابل بين الشقين.
وجوز المفضل أن يكون الموعد مصدرًا مضافًا إلى الفاعل واخلافه بمعنى وجدان الخلف فيه يقال: أخلف وعد زيد بمعنى وجد الخلف فيه، ونظيره أحمدت زيدًا أي فوجدتم الخلف في موعدي إياكم بعد الأربعين، وفيه أنه لا يساعده السياق ولا السباق أصلًا، وقيل: المصدر مضاف إلى المفعول إلا أن المراد منه وعدهم إياه عليه السلام باللحاق به والمجيء للطور على أثره وفيه ما فيه، واستدلت المعتزلة بالآية على أن الله عز وجل ليس خالقًا للكفر وإلا لما قال سبحانه: {وَأَضَلَّهُمُ السامرى} [طه: 85] ولما كان لغضب موسى عليه السلام واسفه وجه ولا يخفى ما فيه. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أي: أي: شيء عجّل بك عنهم، على سبيل الإنكار، وكان قد مضى معه النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور، على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقًا إلى كلام ربه ورضاه.
{قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي} أي: قادمون ينزلون بالطور، وإِنما سبقتهم بما ظننت أنه خير. ولذا قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي: عني، بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك. واعتنائي بالوفاء بعهدك. وزيادة رَبِّ لمزيد الضراعة والابتهال، رغبةً في قبول العذر. أفاده أبو السعود.
فإِن قيل: كان مقتضى جواب السؤال من موسى أن يقول: طلب زيادة رضاك أو الشوقُ إلى كلامك، فالجوابُ. أن هذا من الغفلة عن سرِّ الإنكار. وذلك لأن الإنكار بالذات إنما هو للبعد والانفصال عنهم. فهو منصبّ على القيد. كما عرف في أمثاله. فالسؤال في المعنى عن الانفصال الذي يتضمنه أعجلك المتعدي بمن. وإنكار العجلة لأنها وسيلة له. فالجواب: {هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي}. وقوله: {وَعَجِلْتُ}.. إلخ. تتميم. وقيل الجواب إنما هو قوله: {وَعَجِلْتُ}.. إلخ، وما قبله تمهيد له.
وقال الناصر: إنما أراد الله بسؤاله عن سبب العجلة، وهو أعلم، أن يعلم موسى أدب السفر. وهو أنه ينبغي تأخُّرُ رئيس القوم عنهم في المسير، ليكون نظره محيطًا بطائفته، ونافذًا فيهم، ومهيمنًا عليهم. وهذا المعنى لا يحصل في تقدمه عليهم، ألا ترى الله عزّ وجلّ كيف علم هذا الأدب، لوطا، فقال: {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} [الحجر: 65]، فأمره أن يكون أخيرهم. على أن موسى عليه السلام إنما أغفل هذا الأمر مبادرة إلى رضاء الله عزَّ وجلَّ، ومسارعة إلى الميعاد. وذلك شأن الموعود بما يسره، يود لو ركب إليه أجنحة الطير. ولا أسَرَّ من مواعدة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم. انتهى.
{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} أي: ابتليناهم بعد ذهابك للمناجاة: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} يعني اليهوديّ الذي وسوس لهم أن يعبدوا عجلًا يتخذوه إلهًا، لما طالت عليهم غيبة موسى ويئسوا من رجوعه. والسامري في لغة العرب، بمعني اليهودي. وقد قال بالظن، من ادعى تسميته أو حاول تعيينه. وأما الطائفة السامرية الآن فهم فئة من اليهود في نابلس قليلة العدد تخالف بقية اليهود في جلّ عاداتها.
وقد تضمنت هذه الجملة- أعني إخباره تعالى لموسى بالفتنة- الأمر- برجوعه لقومه، وإصلاحه ما فسد من حالهم، كما قال تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} أي: حزينًا: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} أي: بإنزال التوراة عليَّ، ورجوعي بها إليكم: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} أي: زمان الإنجاز، أو مجيئي: {أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} أي: وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83)}.
أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته في مسوى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع. كقوله في الأعراف: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين وَلَمَّا جَاءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 142-143] الآية.
وفي هذه الآية سؤال معروف: وهو أن جواب موسى ليس مطابقًا للسؤال الذي سأله ربه، لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقًا لذلك. لأنه أجاب بقوله: {هُمْ أولاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ} الآية.
وأجيب عن ذلك بأجوبة:
منها أن قوله: {هُمْ أولاء على أَثَرِي} يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. ومنها أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم.
وقوله: {هُمْ أولاء} المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله: والمد أولى.
ولغة التميميين {أولا} بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر:
أولا لك قومي لم يكونوا أشابة ** وهل يعظ الضليل إلا أولا لكما

وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها.
{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)}.
الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل. فهي فتنة إضلال. كقوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} [الأعراف: 155]. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة. كقوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51] ونحو ذلك من الآيات.
قوله هنا: {وَأَضَلَّهُمُ السامري} أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع. كقوله: {واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} إلى قوله: {اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] أي اتخذوه إلهًا وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} [طه: 87_88] والسامري: قيل اسمه هارون، وقيل اسمه موسى بن ظفر، وعن ابن عباس: أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلًا من القبط. وكان جارًا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. والفتنة أصلها في اللغة: وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة: منها الوضع في النار، كقوله: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] أي يحرقون بها، وقوله: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} [البروج: 10] الآية. أي أحرقوهم بنار الأخدود. ومنها الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة. كقوله: {أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28] الآية، وقوله: {وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16-17]. ومنها نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، وقوله هنا {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} الآية. ومنها الحجة، كقوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] أي لم تكن حجتهم.
وقوله تعالى في هذه الآية: {وَأَضَلَّهُمُ السامري} أسند إضلالهم إليه، لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلًا جسدًا له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [طه: 87-88]، وقال في الأعراف {واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدًا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: {عِجْلًا جَسَدًا}. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحمًا ولا دمًا، ولكن إذا دخلت فيها لاريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحمًا ودمًا، كما جعل آدم لحمًا ودمًا وكان طينًا.
{فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفًا على قومه من أجل عبادتهم العجل.
وقوله: {أَسِفًا} أي شديد الغضب. فالأسف هنا: شدة الغضب. وعلى هذا فقوله: {غَضْبَانَ أَسِفًا} أي غضبان شديد الغضب. ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في الزخرف {فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] أي فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء: الأسف هنا الحزن والجزع. أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزينًا جزعًا لكفر قومه بعبادتهم للعجل. وقيل: أسفًا أي مغتاظًا. وقائل هذا يقول: الفرقي بين الغضب والغيظ: أن الله وصف نفسه بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ. حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية، لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور.
وقوله: {غَضْبَانَ أَسِفًا} حالان. وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحدًا. كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والحال قد يجيء ذا تعدد ** لمفرد فاعلم وغير مفرد

وما ذكره جل وعلا في آية طه هذه من كون موسى رجع إلى قومه {غَضْبَانَ أَسِفًا} ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في الأعراف: {وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي} [الأعراف: 150] الآية. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في الأعراف: {وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150]، وقال في طه مشيرًا لأخذه برأس أخيه: {قَالَ يابنأم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94]. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان، لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله: {قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامري} [طه: 85] وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه لم يلق الألواح، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرًا لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسيره في سورة الأعراف: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح».
قوله تعالى: {قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}.
ذكر جل في هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم: {ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا}.
وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن: أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتابًا فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن} [طه: 80] الآية، وفيه أقوال غير ذلك.
وقوله: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد} الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد. كما يقال في المثل: وما بالعهد من قدم. لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم يطل فكيف نسيتم؟
وقوله: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قال بعض العلماء: {أم} هنا هي المنقطعة، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم. فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل.
وقوله: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى. فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى. فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره. اهـ.